يرى الكاتب البريطاني والمحلل السياسي جوناثان فنتون هارفي أن تصاعد الخلاف بين مصر وإثيوبيا بشأن مياه النيل والوصول إلى البحر الأحمر قد يربك استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أفريقيا، في ظل غياب خطة أمريكية واضحة للتعامل مع التنافسات الإقليمية المتشابكة.

 

وبحسب ريسبونسبل ستيت كرافت، أجرى مستشار ترامب لشؤون أفريقيا مسعد بولس في 19 يوليو سلسلة مباحثات في القاهرة مع وزراء خارجية مصر وإريتريا والصومال، تحت عنوان تعزيز الأمن في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وجاءت التحركات في وقت شددت فيه مصر وإريتريا على ضرورة أن تظل إدارة أمن البحر الأحمر مسؤولية الدول المطلة عليه، في رسالة غير مباشرة إلى إثيوبيا، الدولة الحبيسة التي يبلغ عدد سكانها نحو 140 مليون نسمة وتسعى إلى توسيع حضورها البحري.

 

تحركات واشنطن تثير مخاوف إثيوبيا

 

بعد أيام قليلة من مباحثات القاهرة، أعلنت واشنطن اهتمامها بتعزيز مشاركة الشركات الأمريكية في مشروع المطار الذي تعتزم الخطوط الجوية الإثيوبية إنشاؤه بالقرب من أديس أبابا، بتكلفة تصل إلى 12.5 مليار دولار.

 

ولا يبدو أن الولايات المتحدة تتبنى بشكل متعمد موقفًا مؤيدًا للقاهرة على حساب أديس أبابا، أو العكس، لكن غياب استراتيجية متماسكة يدفع واشنطن إلى التعامل بصورة متفرقة مع ملفات شديدة التعقيد، أبرزها نزاع مصر وإثيوبيا حول مياه النيل، والوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر، ومهمة الاتحاد الأفريقي الأمنية في الصومال.

 

وقال كاميرون هدسون، المسؤول الأمريكي السابق الذي عمل في ملفات أفريقيا لدى وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، إن واشنطن تحاول تحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة، من مكافحة الإرهاب وتأمين المعادن الحيوية إلى حماية الملاحة والدبلوماسية التجارية، بينما تتعامل مع المنافسة الإقليمية المتصاعدة وكأنها أقل خطورة مما هي عليه بالفعل.

 

وفي قلب الخلاف يقف سد النهضة الإثيوبي، الذي أثار اعتراضات مصرية منذ بدء تشييده عام 2011، قبل أن تفتتحه إثيوبيا في سبتمبر 2025 ليصبح أكبر سد لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا.

 

ولا يزال المشروع، الذي بلغت تكلفته نحو 5 مليارات دولار، مصدرًا رئيسيًا للتوتر، بعدما انتقل التركيز إلى كيفية إدارة إثيوبيا لتدفقات المياه نحو السودان ومصر، ولا سيما خلال فترات الجفاف، وما إذا كانت أي التزامات بهذا الشأن ستكون ملزمة.

 

وفي يناير، أبلغ ترامب رئيس الانقلاب المصري عبدالفتاح السيسي استعداده لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا، داعيًا أديس أبابا إلى ضمان تدفقات مائية يمكن التنبؤ بها خلال فترات الجفاف.

 

لكن تجربة إدارة ترامب الأولى لا تمنح القاهرة أو أديس أبابا أسبابًا كثيرة للثقة. فقد علقت واشنطن بعض المساعدات لإثيوبيا بعدما رفضت أديس أبابا توقيع اتفاق اقترحته الولايات المتحدة، بينما سبق لترامب أن ألمح إلى إمكانية أن تقدم مصر على تفجير سد النهضة.

 

وقال ديفيد شين، السفير الأمريكي السابق لدى إثيوبيا والأستاذ المساعد بجامعة جورج واشنطن، إن إثيوبيا كانت تشعر أصلًا بالريبة تجاه دوافع واشنطن بسبب مواقف ترامب السابقة المؤيدة لمصر، مضيفًا أن التواصل الأمريكي مع مسؤولين إريتريين في القاهرة سيزيد مخاوف أديس أبابا.

 

البحر الأحمر يوسع نطاق الصراع المصري الإثيوبي

 

لم يعد الخلاف بين مصر وإثيوبيا محصورًا في مياه النيل، بل امتد إلى البحر الأحمر، بعدما سعت أديس أبابا إلى تأمين منفذ بحري رغم عدم امتلاكها سواحل.

 

وفي يناير 2024، وقعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع السلطات الحاكمة في أرض الصومال، تضمنت تصورًا لمنح أديس أبابا حق استئجار شريط ساحلي بطول 12 ميلًا بالقرب من خليج عدن لمدة 50 عامًا، مقابل اعتراف إثيوبيا لاحقًا بأرض الصومال دولة مستقلة.

 

وردت مصر بتقديم أسلحة وقوات إلى الصومال، مع تجديد تأكيدها دعم وحدة الأراضي الصومالية.

 

وساعدت الوساطة التركية في أواخر 2024 على استعادة العلاقات الدبلوماسية بين الصومال وإثيوبيا، ما أدى عمليًا إلى تهميش مذكرة التفاهم، لكن إثيوبيا لم تتخل عن هدفها في الوصول إلى البحر الأحمر، الذي يصفه رئيس الوزراء آبي أحمد بأنه ضرورة اقتصادية حيوية لبلاده.

 

وأثار حديث آبي عن إمكانية الحصول على منفذ عبر الموانئ الإريترية، ولا سيما ميناء عصب، قلقًا واسعًا في أسمرة، خصوصًا مع إشارته أحيانًا إلى أن الميناء كان جزءًا من الأراضي الإثيوبية تاريخيًا قبل انفصال إريتريا عام 1993.

 

ودفعت هذه التطورات مصر وإريتريا إلى تعزيز تعاونهما. ووقعت الدولتان في مايو اتفاقًا للنقل البحري يتضمن تدشين خط ملاحي يربط موانئهما، مع التشديد مجددًا على أن مسؤولية أمن البحر الأحمر ينبغي أن تقع على عاتق الدول المطلة عليه.

 

وردت إثيوبيا باتهام مصر بمحاولة تطويقها وعرقلة جهودها للوصول إلى البحر الأحمر.

 

وأوجد ذلك حلقة متصاعدة من انعدام الثقة؛ إذ ترى القاهرة أن سعي إثيوبيا للحصول على ميناء يمثل جزءًا من طموحها للتحول إلى قوة مهيمنة في القرن الأفريقي، بينما تنظر أديس أبابا إلى التعاون المصري مع الصومال وإريتريا باعتباره محاولة لمحاصرتها.

 

ومع ذلك، يحذر الكاتب من اختزال المشهد في تكتل ثابت يضم مصر وإريتريا والصومال. فالصومال، بعد استعادة علاقاته مع إثيوبيا، يحاول تحقيق توازن في علاقاته مع القاهرة وأديس أبابا، بينما تعود شكوك إريتريا تجاه إثيوبيا إلى تاريخ طويل من الصراع بين البلدين، بما في ذلك الحرب الحدودية المدمرة بين عامي 1998 و2000.

 

واشنطن أمام خطر تصاعد التوتر الإقليمي

 

تحاول الولايات المتحدة في الوقت نفسه إعادة صياغة علاقاتها مع أطراف النزاع. ففي مايو، سعت واشنطن إلى إعادة ضبط علاقاتها مع إريتريا بعد سنوات طويلة من التوتر، بما في ذلك بحث إمكانية تخفيف العقوبات، في خطوة يمكن تفسيرها كمحاولة لردع إثيوبيا عن استخدام القوة في سعيها للحصول على منفذ بحري.

 

وفي المقابل، التقى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو نظيره الإثيوبي جيديون تيموثيوس لبحث التعاون الأمني والفرص التجارية وسبل خفض التصعيد في المنطقة.

 

وتزداد الصورة تعقيدًا مع قرار واشنطن سحب دعمها لاحقًا هذا العام من عملية لوجستية تابعة للأمم المتحدة تدعم مهمة الاتحاد الأفريقي في الصومال.

 

وقد وفرت هذه المهمة آلية متعددة الأطراف للتعاون بين مصر وإثيوبيا في مجال الأمن داخل الصومال، لكن انتهاء هذا الدور قد يدفع مقديشو إلى إبرام اتفاقات ثنائية مع كل من القاهرة وأديس أبابا، بما يشجع الطرفين على التنافس على النفوذ بدلًا من التعاون.

 

ويرى هدسون أن المبادرات الأمريكية في المنطقة ليست بالضرورة متناقضة، لكن تحركات واشنطن تجاه القاهرة وأسمرة قد تعزز اعتقاد أديس أبابا بأنها تتعرض للحصار، في حين قد تنظر مصر وإريتريا إلى توسيع العلاقات التجارية الأمريكية مع إثيوبيا باعتباره دعمًا لخصمهما.

 

وقال هدسون، إن غياب استراتيجية حقيقية يجعل هذه السياسات أقرب إلى لعبة محصلتها صفر، مشددًا على ضرورة أن توضح واشنطن لجميع الأطراف ما الذي تسعى إلى تحقيقه في المنطقة.

 

ويحذر الكاتب من أن واشنطن قد تجد نفسها أمام تصعيد إقليمي يتجاوز قدرتها على احتوائه دبلوماسيًا، خصوصًا مع استمرار التحركات العسكرية والخطاب العدائي بين إثيوبيا وإريتريا، بما يرفع مخاطر سوء التقدير والانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

 

ويطرح المقال مسارًا مختلفًا أمام الإدارة الأمريكية، يتمثل في دعم اتفاق يقوده الاتحاد الأفريقي بشأن إدارة المياه خلال فترات الجفاف وتبادل البيانات وضمان تدفقات مائية يمكن التنبؤ بها، إلى جانب دعم اتفاق تجاري يتيح لإثيوبيا الوصول إلى البحر الأحمر مع الحفاظ على السيادة الصومالية.

 

كما يمكن لواشنطن، وفقًا لديفيد شين، أن تشجع إثيوبيا وإريتريا على الدخول في مفاوضات تضمن وصول إثيوبيا إلى البحر، مع تقديم حوافز يمكن أن تجدها أسمرة جذابة، بمشاركة أطراف إقليمية أخرى.

 

وفي ظل تداخل ملف سد النهضة مع أمن البحر الأحمر والعلاقات المصرية الإثيوبية والصومالية والإريترية، تبدو مهمة واشنطن أكثر تعقيدًا من مجرد اختيار طرف على حساب آخر. فغياب رؤية أمريكية متماسكة قد لا يؤدي فقط إلى إضعاف نفوذ واشنطن، بل قد يساهم أيضًا في ترسيخ الاصطفافات الإقليمية التي تسعى أصلًا إلى تجنبها.

 

https://responsiblestatecraft.org/egypt-ethiopia-tensions/